صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

37

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

أفراد الوجود فيلزم عليهم أن يكون هي واجبة الوجود دون المطلق وما توهموا من احتياج الخاص إلى العام باطل بل الأمر بالعكس إذ العام يحتاج إلى الخاص في وجوده لأن الشيء ما لم يتعين لم يوجد نعم إذا كان العام ذاتيا للخاص يفتقر هو إليه في تقرر معناه وتحدد مفهومه في العقل دون العين فالعام يفتقر إلى الخاص في الوجود والخاص يفتقر إلى العام إذا كان ذاتيا في المهية والمعنى لا في الوجود وإذا كان عارضا فلا يفتقر إليه أصلا وأما قولهم إذا ارتفع الوجود المطلق ارتفع كل موجود حتى الواجب بذاته فيمتنع عدمه فوجوده واجب فمغالطة منشؤها الخلط بين ما بالذات وما بالعرض لأنه إنما يلزم الوجوب لو كان امتناع العدم لذاته وهو ممنوع بل ارتفاعه يستلزم ارتفاع بعض أفراده الذي هو الواجب كسائر لوازم الواجب مثل الشيئية والعلية والعالمية وغيرها فإن قيل بل يمتنع لذاته لامتناع اتصاف الشيء بنقيضه قلنا الممتنع اتصاف الشيء بنقيضه بمعنى حمله عليه بالموالاة مثل الوجود عدم لا بالاشتقاق مثل الوجود معدوم كيف وقد شاع بين القوم أن الوجود العام من المعقولات الثانية والأمور الاعتبارية التي لا تحقق لها في الأعيان قوله وأما ممكن الوجود فقد تبين من ذلك خاصية أي ظهر من قولنا إن واجب الوجود لذاته لا علة له إثبات أن كل ممكن فله علة ولأن الإمكان عبارة عن لا اقتضاء المهية الوجود والعدم فكل منهما بعلة أخرى غير الذات فيحتاج في وجوده بالضرورة إلى علة يجعلها موجودا وكذا في عدمه وفي كل من الحالين لا يخرج عن حد الإمكان لأنه ذاتي للممكن فهو دائما باعتبار ذاته ممكن الوجود واعلم أن هاهنا شبهة مذكورة في بعض المسفورات الحكمية والكلامية وهي أن اتصاف المهية بالإمكان غير متصور إذ الموصوف بالإمكان إما موجود أو معدوم وهو في كل من الحالين ممتنع أن يقبل مقابل ما يتصف به وإلا اجتمع المتقابلان في موضوع وهو محال وإذا امتنع أحدهما امتنع إمكان واحد منهما بالإمكان الخاص لأن امتناع أحد الطرفين يستلزم وجوب الطرف الآخر فلم يتحقق هاهنا المحكوم عليه بالإمكان أصلا وأيضا الشيء الممكن إما مع وجود سببه التام فيجب أو مع عدمه فيمتنع فأين يمكن والجواب عن الأول أن الترديد غير حاضر للشقوق المحتملة إن أريد من الوجود والعدم التحنيث إذ يعوزه شيء آخر وهو عدم اعتبار شيء منهما إذ الموصوف بالإمكان هو المهية المطلقة عن الوجود والعدم ولا يلزم من عدم قبول العدم من حيثيته الاتصاف بالوجود عدم قبوله من حيثية أخرى هي حيثية المهية المطلقة وكذلك بالعكس بل المصحح لقبول كل منهما حال المهية بحسب إطلاقها عن القيود وإن أريد بهما مجرد التوقيت قلنا إنا نختار كلا من الشقين قوله في كل من الحالين أي الوقتين يمتنع أن يقبل مقابل ما يتصف به قلنا هذا ممنوع والمسلم هو امتناع الاتصاف بشيء مع تحقق الاتصاف بمقابله وهو غير لازم في معنى الممكن فالمحذور غير لازم واللازم غير محذور وعن الثاني أن قوله الشيء إما مع وجود سببه أو مع عدم سببه الترديد فيه مختل إن أريد المعية بحسب حال المهية واعتبار المراتب فيها إلا أن يراد بالشق الثاني رفع المعية لا معية الرفع وإن أريد المعية بحسب الواقع فيصح الترديد لكن اتصاف المهية بالإمكان ليس في اعتبار الوجود سواء كانت مع السبب أو لا بل في اعتبارها وأخذها من حيث هي هي فقد ثبت أن كل ممكن وإن كان محفوفا إما بالوجوبين السابق واللاحق أعني بحسب إيجاب العلة وبحسب حاله في الواقع ويقال له الضرورة بشرط المحمول وإما بالامتناعين كذلك لكن لا يصادم شيء منهما ما هو حاله بحسب مهيته من حيث هي هي ولهذا قال فهو دائما أي سواء كان في حال الوجود أم لا باعتبار ذاته ممكن الوجود فإذن سقط قول من زعم أن الاتصاف بالإمكان إنما يختص بزمان العدم لزعمه أن فاعل الوجود أخرجه من الإمكان إلى الوجوب فلا إمكان في وقت الوجود بل في وقت العدم ولم يعلم أنه كلما جعلته علة الوجود واجبا جعلته علة العدم أو عدم علة الوجود ممتنعا فلزم أن لا ممكن في الحالين أصلا هذا محال فبطل أن يكون الممكن ممكنا حال العدم واجبا حال الوجود بل الممكن في حد نفسه ممكن وبغيره واجب وممتنع وأي السببين تحقق تحقق مقتضاه من الوجود والعدم فالإمكان باعتبار ذاته وكل من الوجوب والامتناع باعتبار شرط لاحق ولا تناقض في ذلك فإذن ليس للممكن في حد نفسه وجوب وجود بل ما دام تلك الذات لم يكن إلا متعلق الوجود بالغير وكلما احتيج فيه إلى شرط وسبب فهو معلول فكل ممكن معلول دائما فإن كان سبب وجوده ووجوبه دائما فهو معلول دائما لكن تارة في وجوده وتارة في عدمه ومثل هذا الممكن يحتاج إلى مادة حاملة لإمكان في وجوده دائما وإلا فهو معلول وجوده قبل زمان وجوده وحاملة لفعلية وجوده في زمان وجوده كما سيجيء في الفصل الثاني من المقالة الرابعة [ في أن كل حادث مسبوق بمادة ] قوله والذي يجب وجوده بغيره دائما فهو أيضا غير بسيط الحقيقة إلى آخره يريد بيان خاصية أخرى للممكن كمقابلها للواجب بالذات فإنه كما أن الضرورة الأزلية والوجوب الذاتي مساوقة للبساطة والأحدية وملازمة للواحدية والفردية فكذلك الإمكان الذاتي رقيق التركيب والامتزاج وقرين الشركة والازدواج فكل ممكن زوج تركيبي إذ المهية الإمكانية لا قوام لها إلا بالوجود والوجود الإمكاني لا تعين له إلا بمرتبة خاصة من القصور عن درجة الواجبة يتنوع بحسبها المهيات ويترتب عليها بعض الآثار لا الآثار المطلقة الكلية التي يفيض عن الواجب بالذات على كل قابل فإن كل هوية إمكانية ينتظم من مادة وصورة عقليتين هما المسماتين بالمهية والوجود وكل منهما متضمن فيه الآخر وإن كانت من الفصول الأخيرة والأجناس القاصية